العيني

45

عمدة القاري

مرسلا ؟ قلت : رواه الطحاوي موصولاً بإسناد جيد . قال : حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ وعبيد الله بن محمد بن حشيش وإبراهيم بن محمد الصيرفي ، قالوا : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن دينار عن موسى بن عبد عن زياد بن جبير عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ) . فإن قلت : قال البيهقي : هذا الحديث ضعيف بمحمد بن دينار الطاحي البصري بما روي عن ابن معين : أنه ضعيف ؟ قلت : البيهقي لتحامله على أصحابنا يثبت بما لا يثبت ، وقد روى أحمد بن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال : ليس به بأس ، وكذا قاله النسائي ، وقال أبو زرعة : صدوق ، وقال ابن عدي : حسن الحديث . فإن قلت : حديث جابر فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف . قلت : قال ابن حبان : صدوق يكتب حديثه ، وقال الذهبي في ( الميزان ) : أحد الأعلام على لين في حديثه ، روى له مسلم مقرونا بغيره ، وروى له الأربعة . فإن قلت : حديث ابن عباس قال فيه البيهقي : إنه عن عكرمة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مرسل ؟ قلت : أخرجه الطحاوي من طريقين متصلين ، وأخرجه البزار أيضا متصلاً ، ثم قال : ليس في هذا الباب حديث أجلّ إسنادا منه ، وهذه الأحاديث مع اختلاف طرقها يؤيد بعضها بعضا ، ويرد قول الشافعي أنه لا يثبت الحديث في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، ثم إن الشافعي ومن معه احتجوا لما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أبو داود : حدثنا حفص بن عمر ، قال : حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق وعن يزيد ابن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريش عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( أمره أن يجهز جيشا ، فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة ، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة ) . وراه الطحاوي أيضا ، وفي روايته في قلاص الصدقة ، والقلاص ، بكسر القاف جمع قلص بضم القاف واللام ، وهو جمع قلوص ، فيكون القلاص جمع الجمع ، وقال : القلوص يجمع على قلص وقلائص ، وجمع القلص قلاص ، والقلوص من النوق الشابة ، وهي بمنزلة الجارية من النساء ، وأجابوا عنه بأن في إسناده اختلافا كثيرا . وذكر عبد الغني في ( الكمال ) في : باب الكنى : أبو سفيان روى عن عمر بن حريش روى عنه مسلم بن جبير ، ولم يذكر شيئا غير ذلك . وقال الذهبي في ترجمة عمرو بن حريش : ما روي عنه سوى أبي سفيان ، ولا يُدْرَى من أبو سفيان ، وقال الطحاوي بعد أن رواه : ثم نسخ ذلك بآية الربا ، بيان ذلك أن آية الربا تحرم كل فضل خال عن العوض ففي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، يوجد المعنى الذي حرم به الربا ، فنسخ كما نسخ بآية الربا استقراض الحيوان ، لأن النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للإباحة ، ومثل هذا النسخ يكون بدلالة التاريخ ، فيندفع بهذا قول النووي وأمثاله : أن النسخ لا يكون إلاَّ بمعرفة التاريخ ، وإن حديث أبي رافع الذي رواه مسلم وغيره أن النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( استسلف من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع فقال : لم أجد فيها إلاَّ جملاً خيارا رباعيا ، فقال : أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء ) . احتج به الأوزاعي والليث ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق فيما ذهبوا إليه من جواز استقراض الحيوان ، قالوا : وهو حجة على منع ذلك . وأجاب المانعون عن ذلك بأنه منسوخ بآية الربا بالوجه الذي ذكرناه الآن ، ومع هذا ليس فيه إلاَّ الثناء على من أحسن القضاء ، فأطلق ذلك ولم يقيده بصفة ، ولم يكن ذلك بشرط الزيادة ، وقد أجمع المسلمون بالنقل عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أن اشتراط الزيادة في السلف ربا حرام ، وكذلك أجابوا عن كل حديث يشبه حديث أبي رافع بأنه كان قبل آية الربا . وعن هذا قال أبو حنيفة وأصحابه وفقهاء الكوفة والثوري والحسن بن صالح : إن استقراض الحيوان لا يجوز ، ولا يجوز الاستقراض إلاَّ مما له مثل : كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة ، فلا يجوز قرض ما لا مثل له من المزروعات والعدديات المتفاوتة ، لأنه لا سبيل إلى إيجاب رد العين ، ولا إلى إيجاب القيمة لاختلاف تقويم المقومين ، فتعين أن يكون الواجب فيه رد المثل ، فيختص جوازه بما له مثل ، وعن هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا يجوز القرض في الخبز لا وزنا ولا عددا ، وقال محمد : يجوز عددا .